ابن قيم الجوزية

21

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ( 4 ) [ الإخلاص : 4 ] وهذه ترجمة عقيدة أهل السنة . والتوسل بالإيمان بذلك ، والشهادة به هو الاسم الأعظم . والثاني : حديث أنس « أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سمع رجلا يدعو : اللهم إني أسألك بأن لك الحمد ، لا إله إلا أنت ، المنّان ، بديع السماوات والأرض . ذا الجلال والإكرام ، يا حيّ يا قيوم . فقال : لقد سأل اللّه باسمه الأعظم » فهذا توسل إليه بأسمائه وصفاته . وقد جمعت الفاتحة الوسيلتين ، وهما التوسل بالحمد ، والثناء عليه وتمجيده ، والتوسل إليه بعبوديته وتوحيده . ثم جاء سؤال أهم المطالب ، وأنجح الرغائب - وهو الهداية - بعد الوسيلتين . فالداعي به حقيق بالإجابة . ونظير هذا : دعاء النبي صلى اللّه عليه وسلم ، الذي كان يدعو به إذا قام يصلي من الليل . رواه البخاري في « صحيحه » من حديث ابن عباس « اللهم لك الحمد ، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهنّ . ولك الحمد ، أنت قيّوم السماوات والأرض ومن فيهن . ولك الحمد ، أنت الحق ، ووعدك الحق ، ولقاؤك حق ، والجنة حق ، والنار حق ، والنبيون حق ، والساعة حق ، ومحمد حق . اللهم لك أسلمت ، وبك آمنت ، وعليك توكلت ، وإليك أنبت . وبك خاصمت ، وإليك حاكمت . فاغفر لي ما قدمت وما أخرت ، وما أسررت وما أعلنت ، أنت إلهي لا إله إلا أنت » فذكر التوسل إليه بحمده والثناء عليه وبعبوديته له . ثم سأله المغفرة . التوحيد في اشتمال هذه السورة على أنواع التوحيد الثلاثة التي اتفقت عليها الرسل صلوات اللّه وسلامه عليهم . التوحيد نوعان : نوع في العلم والاعتقاد . ونوع في الإرادة والقصد . ويسمى الأول : التوحيد العلمي . والثاني : التوحيد القصدي الإرادي . لتعلق الأول بالأخبار والمعرفة . والثاني بالقصد والإرادة . وهذا الثاني أيضا نوعان : توحيد في الربوبية ، وتوحيد في الإلهية . فهذه ثلاثة أنواع . فأما توحيد العلم : فمداره على إثبات صفات الكمال ، وعلى نفي التشبيه والمثال . والتنزيه عن العيوب والنقائص . وقد دل على هذا شيئان : مجمل ، ومفصل . أما المجمل : فإثبات الحمد له سبحانه . وأما المفصل : فذكر صفة الإلهية والربوبية ، والرحمة والملك . وعلى هذه الأربع مدار الأسماء والصفات . فأما تضمن الحمد لذلك : فإن الحمد يتضمن مدح المحمود بصفات كماله ، ونعوت جلاله ، مع محبته والرضا عنه ، والخضوع له . فلا يكون حامدا من جحد صفات المحمود ، ولا من أعرض عن محبته والخضوع له . وكلما كانت صفات كمال المحمود أكثر كان حمده أكمل ، وكلما نقص من صفات كماله نقص من حمده بحسبها . ولهذا كان الحمد كله للّه حمدا لا يحصيه سواه ، لكمال صفاته وكثرتها . ولأجل هذا لا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه ، لما له من صفات الكمال ، ونعوت الجلال التي لا يحصيها سواه . ولهذا ذم اللّه تعالى آلهة الكفار ، وعابها بسلب أوصاف الكمال عنها . فعابها بأنها لا تسمع ولا تبصر ، ولا تتكلم ولا تهدي ، ولا تنفع ولا